محمود محمود الغراب

57

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

فالكل قد سمع ، بما قد صدع ، فمن قيد السماع بالأوزان ، والتلحينات المقسمة بالميزان ، فهو صاحب جزء لا صاحب كل ، وهو على مولاه كلّ ، مولاه أول زاهد فيه ، ولهذا لا يصطفيه ، كيف يقيد المطلق ، من ادعى أنه بالحق تحقق ؟ فالسماع المطلق يؤثر فهم المعاني ، وهو السماع الروحاني الإلهي ، وهو سماع الأكابر ، والسماع المقيد يؤثر في أصحابه النغم ، وهو السماع الطبيعي ، لذلك لا يقول الرجال الأكابر بالسماع المقيد بالنغمات لعلو همتهم ، ويقولون بالسماع المطلق ، فإذا ادعى من ادعى من ادعى أنه يسمع في السماع المقيد بالألحان المعنى ، ويقول : لولا المعنى ما تحركت ، ويدعي أنه قد خرج عن حكم الطبيعة في ذلك ، يعني في السبب المحرك فهو غير صادق ، فصاحب هذه الدعوى إذا لم يكن صادقا يكون سريع الفضيحة ، وذلك أن هذا المدعي إذا حضر مجلس السماع ، فاجعل بالك منه ، فإذا أخذ القوال في القول بتلك النغمات المحركة بالطبع للمزاج القابل أيضا ، وسرت الأحوال في النفوس الحيوانية ، فحركت الهياكل حركة دورية ، لحكم استدارة الفلك . وهو أعني الدور ، مما يدلك على أن السماع طبيعي ، لأن اللطيفة الإنسانية ما هي عن الفلك ، وإنما هي عن الروح المنفوخ منه ، وهي غير متحيزة ، فهي فوق الفلك ، فما لها في الجسم تحريك دوري ولا غير دوري ، وإنما ذلك للروح الحيواني ، الذي هو تحت الطبيعة والفلك ، فلا تكن جاهلا بنشأتك ولا بمن يحركك ، فإذا تحرك هذا المدعي وأخذه الحال ، ودار أو قفز إلى جهة فوق من غير دور ، وقد غاب عن إحساسه بنفسه وبالمجلس الذي هو فيه ، فإذا فرغ من حاله ورجع إلى إحساسه ، فاسأله ما الذي حركه ؟ فيقول : إن القوال قال : كذا وكذا ، ففهمت منه معنى كذا وكذا . فذلك المعنى حركني ، فقل له : ما حركك سوى حسن النغمة ، والفهم إنما وقع لك في حكم التبعية ، فالطبع حكم على حيوانيتك ، فلا فرق بينك وبين الجمل في تأثير النغمة فيك ، فيعز عليه مثل هذا الكلام ويثقل ، ويقول لك : ما عرفتني وما عرفت ما حركني ؛ فاسكت عنه ساعة - فإن صاحب هذه الدعوى تكون الغفلة مستولية عليه - ثم خذ معه في الكلام الذي يعطي ذلك المعنى ، فقل له : ما أحسن قول اللّه تعالى حيث يقول ، وأتل عليه آية من كتاب اللّه تتضمن ذلك المعنى الذي كان حركه من صوت المغني ، وحققه عنده حتى يتحققه ، فيأخذ معك فيه ويتكلم ولا يأخذه لذلك حال ولا حركة ولا فناء ، ولكن يستحسنه ويقول : لقد تتضمن هذه الآية معنى جليلا من المعرفة باللّه ؛ فما أشد